الصفحة الرئيسية
مـن تـاريـخ دمـشـق
الـمـعـالـم الـتـاريـخـيـة
أسـواق دمـشـق
شـخـصـيـات وأعـلام
الأحـيـاء والـمـنـاطـق
صـور إجـتـمـاعـيـة
 
أخـبـار الـشـام
شـؤون الـتـراث
شـؤون الـبـيـئـة
شـؤون الـخـدمـات
 
مـعـلـومـات عـامـة
الـدلـيـل الـرسـمـي
الـدلـيـل الـسيـاحـي
الـفـعـالـيـات والـنـشـاطـات
 
إدارة الـمـوقـع
دلـيـل الـمـوقـع
سـجـل الـزوار
 
 
الدور الدمشقية ... أسلوب حياة فريد الأستاذ منير كيال
صحيفة الوطن   8 2007
 

 

نلحظ في خفايا حارات وأزقّة مدينة دمشق ظاهرة تلاصق الدور وتداخلها وتراكبها، عبر أزقّة ودروب وحارات ضيّقة.. وإذا كان هذا المظهر لا ينمّ عن روعة وبهاء ما وراء أبواب هذه الدور من روعة ومتعة وأصالة فإنه يُعبّر بصدق عن أواصر التماسك بين أبناء هذه المدينة وتلاحمهم في السرّاء والضرّاء.
ولمّا كان نمط هذه الدور إسلامياً، فقد كانت العناية في الدار الدمشقية منصبّة على الداخل، فكان منظورها الخارجي دونما عناية أو تزيين... وفي جميع الأحوال فإن السمّة المميزة لدور دمشق تمثّلت في تشابه مخطّط بنائها وتماثل نسيجها العمراني، وإن تباينت المساحة التي تشغلها... والداخل إلى الدار الدمشقيّة لابُدّ أن يلحظ الأقسام التالية وهي:
الباب والمدخل البسيط، ثم الدهليز، فباحة الدار «أرض الديار» وحولها الليوان «الإيوان» والغرف الصيفية منها والشتوية. فمدخل الدار بسيط لا يكاد يلفت النظر، اللهم إلاّ في بعض أبواب بيوت الأثرياء وأصحاب الوجاهة. وهذا المدخل يفضي إلى دهليز ضيّق وطويل نسبيّاً مع بعض التعرّج لحجب أنظار المارّة عن داخل المنزل، ولا نجد في هذا الدهليز، سواء في جدرانه أو في سقفه، ما يلفت النّظر من فنون البناء أو التزيين لأن وظيفته إنّما هي التمهيد للولوج إلى أرض ديار (فناء) المنزل. أما أرض الديار المعروفة باسم (صحن الدار) فهي بيت القصيد في الدار الدمشقية، وهي من خصائص هذه الدار، كما أنها أسلوب إسلامي في العمارة المغلقة نحو المحيط الخارجي، بحيث تجعل المنزل أكثر تكيّفاً مع ظروف الطقس، لعدم تأثّر ذلك الفناء بأحوال الطقس خارج المنزل، ويفّسر ذلك ضآلة الفروق الحرارية بين الليل والنهار، واحتفاظ الغرف المحيطة بأرض الديار والمنفتحة عليه، بحرارة أرض الديار، دون التأثّر بتقلّبات الطقس الخارجية. فضلاً عن ذلك، فإن أرض الديار بما تضم من أشجار وغراس تسمح بانتشار الظلال على امتداد النهار، وتوفر الهواء النقي والنسيم العليل للمقيمين في الدار... هذا بالإضافة إلى ما يوفّر عَبَق الورد والياسمين والفل وأزهار سلطان الزهور والمنثور والأرطاسيا، وأشجار الليمون والكبّاد والنارنج «الزفّار» وغراس الشمشير من متعة وانشراح تجعل المرء في غنى عن صخب خارج الدار وما فيه من مغريات.
فضلاً عن هذا، لا تكاد دار دمشقية تخلو من بحرة من الرخام أو الحجر الورديّ المزّاوي، تتشامخ من نافورتها، وتتدفق من أفواه السّباع المتقابلة على حافتها مياه نهر بردى الوفيرة الزلال. وهي تنشر رذاذها على أصص نبات الهوى الخشن ونبات الكاميليا والفتنة الموزعة على أطراف هذه البحرة. حتى إنّ المرء يحار على أي من هذه الأفانين يسرح بنظره، فكل ما حوله يخطف النظر ويأسر الألباب ويُمجّد الخالق المبدع جلّ وعلا. فأرض الديار والحال هذه، ركن أساسي في حياة المقيمين في الدار، إنها جنّتهم ومتنزّههم وملاذهم، وهي موضع عنايتهم في الترتيب والتشذيب، ومبلغ غوايتهم المانعة... أما الليوان «الإيوان» فهو قاعة، دون جدار رابع، تنفتح على أرض الديار، نحو جهة الشمال، على عضادتين أو عمودين قائمين عن يمين هذا الإيوان وعن يساره. ويُرقى إليه بدرجة أو درجتين..
والعناية بهذا الإيوان كبيرة، سواء من ناحية توزيع أصص نبات الزينة كورق الصالون والهوى الناعم وغراس الأرطاسيا المزهرة، أو في توزيع الأرائك والمساند وجميع ما يوفر الراحة للجالسين... ففي هذا الليوان يلتقي أهل الدار في عصريات وأمسيات أيام الصيف القائظة مع ضيوفهم... لأنّه يحميهم من وهج أشعّة الشمس، ويبثّ إليهم النسيم الشمالي المنعش فضلاً عن رذاذ مياه الفسقية التي غالباً ما تتوسط أرض ذلك الإيوان، أو ما قد يشيعه خرير مياه السلسبيل «الذي يتصدر جدار ذلك الإيوان» في النفس من الخدر والراحة...


قاعات فصل الصيف

تطل هذه القاعات على أرض الديار من جهة الشمال، فلا تتعرّض لِنَفحِ حرّ الصيف، ومنها القاعة التي عن يمين الصاعد إلى الإيوان والقاعة التي عن يساره، فضلاً عن القاعات الأخرى التي تنفتح على أرض الديار من تلك الجهة. وغالباً ما يكون لربّ الأسرة قاعة شبه مستقلّة متطرّفة فلا تطل على أرض الديار بشكل مباشر ويطلقون عليها اسم: البراني، وقد يكون لها باحة صغيرة، ليست على صلة مباشرة بأرض ديار المنزل... وفي هذه القاعة يستقبل رب الأسرة زوّاره وضيوفه.

 


القاعات الشتوية

أما الغرف «القاعات» التي يقضي فيها أهل الدار فصل الشتاء، فهي على الأغلب في الطابق العلوي، كما أنها تطلّ على جهة الجنوب للاستمتاع بدفء الشمس، ويربط بينها دوار «ممر» مسقوف تلافياً للسعات البرد وجدرانها مكسوّة بما يعرف بالكِلسة العربية، المؤلفة من مزيج من لبن الكلس مع قشر القنّب المفروم مع كمية من رماد وقود الحمامات المعروف بالقصر ميلّ.
في حين تكون كسوة قاعات فصل الصيف وخاصة القاعتين اللتين عن يمين وعن يسار الصاعد إلى الإيوان... على درجة كبيرة من العناية، وتتفاوت هذه العناية تبعاً لإمكانات صاحب الدار، وتبعاً لأهمّية القاعة وسعتها.
فالقاعة الكبرى يكون سقفها مزخرفاً كسجادة عجمية بطراز أو طرازين أو ثلاثة يسمونها طُرز زخرفية وهي مطلّية بالدهان العجمي الفاخر بما يتناغم مع الزخارف المكونّة للطراز (الطرز)... وكذلك الجدران مكسوة بما يعرف بالحلقة الخشبية التي تغلّف الجدران والفتحات والكَتابي إلى علو يقترب من السقف بعض الشيء، وهي كالسقف في تعدّد زخارفها ونقوشها الفاخرة ودهانها المسمى بالعجمي. وإذا لم نلحظ في الدهليز ما يلفت النظر من الكسوة أو الزخارف فإن أرض الديار وجدرانها وجدران الليوان تكون على غاية من الإبداع والذوق، وخاصّة دور الأغنياء وأهل الوجاهة الذين كانوا يحاكون في زخرفة دورهم ورياشهم الحكام والباشاوات. فأرض الديار تكون مبلّطة بالحجر الأسود البازلتي والحجر الوردي المزّاوي أو الرحيباني، وذلك بدروب متناوبة. وقد نجد في دور المترفين أن أرض الديار مفروشة بالرخام مع تشكيلات هندسية زخرفية ملّونة من الرخام المشقّف البديعة، وذلك حول البحرة الكبرى التي تتوسط أرض الديار، وفي المدخل وفي أركان أخرى من أرض الديار. وهذه التشكيلات الرخاميّة محاطة أو متقاطعة مع أميال سوداء على نمط الخيط العربي.


 


للعودة لصفحة قضايا التراث

 

 

 

 

dimashkiat.com © All Rights Reserved . 2007-2008