الصفحة الرئيسية
مـن تـاريـخ دمـشـق
الـمـعـالـم الـتـاريـخـيـة
أسـواق دمـشـق
شـخـصـيـات وأعـلام
الأحـيـاء والـمـنـاطـق
صـور إجـتـمـاعـيـة
 
أخـبـار الـشـام
شـؤون الـتـراث
شـؤون الـبـيـئـة
شـؤون الـخـدمـات
 
مـعـلـومـات عـامـة
الـدلـيـل الـرسـمـي
الـدلـيـل الـسيـاحـي
الـفـعـالـيـات والـنـشـاطـات
 
إدارة الـمـوقـع
دلـيـل الـمـوقـع
سـجـل الـزوار
 
 
رمضان في دمشق أ. غسان كلاس
صحيفة الثورة 14 9 2004
 

 

ولشهر رمضان في دمشق خصوصيته وسحره, سلسلة من العادات والتقاليد لم يمحها الزمن ولم تفسدها معطيات التقانة الحديثة ولاسيما في أحياء دمشق القديمة وأزقتها وحاراتها وزواريبها التي تعكس طيبة وكرم وأصالة شعبها الطيب.

لقد اجتمعت لرمضان من الخصائص والمزايا ما لم يجتمع لغيره من أشهر السنة فوصفوه بالمبارك والكريم وجاء في القاموس المحيط: الرمض من رمض الصائم اشتد حر جوفه أو لأنه يحرق الذنوب.‏

في الجامع الأموي يعلن الشهرفي الأسبوع الأخير من شهر شعبان والذي يلتمس في يوميه الأخيرين هلال رمضان يخرج الناس إلى المتنزهات يأكلون ويشربون ويتسامرون وهو ما يسمى ( تكريزة رمضان) والتكريزة وداع وفسحة وداع لما لذ وطاب وفسحة يعيش المرء بعدها بعيدا عن ملذات الحياة الدنيا قد يستمر بعدها مع روحانية رمضان وقد يعود إلى سيرته السابقة.‏

في ليلة الثلاثين من شهر شعبان كان يجلس القضاة والعلماء والوجهاء في المسجد الأموي خلال الساعات التي يتوقع فيها ظهور هلال شهر رمضان لإعلان الصيام وكان القاضي الشرعي ومجلسه في دمشق يبقى في المحكمة الشرعية حتى ساعة متأخرة من الليل بانتظار من يثبت مولد هلال الشهر فإن كان الإثبات فإن القاضي يتأكد من الشهود عن حقيقة مولد الهلال من حيث شكله وحجمه واتجاهه ومكان المشاهدة ووقتها فإن توافق ذلك مع الميقات والشكل الفلكي للهلال يجري التشاور في مجلس القاضي ويعمم ذلك وتنار المساجد ويخرج المسحرون للبشارة وينفض الوجهاء كل إلى حيه ليبادر المنادون بقرع الطبول وإعلان الصوم.‏

ويتناول الاستاذ منير كيال في كتابه ( يا شام) الكثير من العادات والتقاليد المتوارثة التي يختص بها هذا الشهر الفضيل ولاسيما ما يتعلق منها بالمباركة وموائد الافطار والأسواق والمسحراتي وليالي رمضان وسهراته.‏

ويذكر أنه بعد ثبوت الشهر يتوافد العلماء ومشايخ الطرق الصوفية والوجهاء إلى دار نقيب الأشراف للمباركة ويتزاور أفراد العائلة الدمشقية للتهاني والتبريك ويكون أول لقاء لهم عند إعلان مولد الهلال لدى مجلس عميد العائلة فيقبلون مهنئين مباركين يلي ذلك المباركة لبقية الأهل والجوار والصحب.‏

أما النسوة فيتبادلن التهاني من عصر كل يوم إلى قبيل المغرب ويقمن ليلة إثبات مولد الهلال بزيارة الأسر المنكوبة بوفاة عزيز عليها ويذهب معظم النسوة إلى المقابر لزيارة الموتى عصر اليوم الأول من شهر رمضان.‏

ولعل من الخصائص المميزة لهذا الشهر أن الدماشقة يستعدون لاستقباله قبل حلوله بأسابيع فتعرض الحوانيت السلع من سكر ورز وطحين وسمن وفستق ونقوع وقمر الدين ومع حلوله تظهر أنواع من الخبز كالمعروك والمنقوش ومشطاح الجمل والجرادق..‏

وتحفل موائد الافطار بألوان خاصة من الاطعمة والأشربة غالبا ما تشارك الأسرة جميعا في إعدادها حيث الأكلات الدمشقية المعروفة: الباسمشكات, الششبرك. الفتوش, الفتات والشوربات بأنواعها ويكون طبق الفول المدمس سيد مائدة الإفطار وتغنى الموائد بما يتبادله الجوار مع بعضهم من الاطعمة ( المساكبة) ولا ينسى الدمشقيون الأشربة المتنوعة: التمر هندي, العرقسوس,التوت الشامي, اللبن العيران, التي كانت توضع في أباريق شفافة حول البحرة في صحن الدار في جو ممزوج بعبق أشجار الليمون والكباد والنارنج وينتظر الجميع موعد الافطار حيث كان ينطلق من ساحة المهاجرين صوت مدفع الافطار الذي كان يحمل على عربة عكسرية ليستقر في سفح جبل قاسيون طيلة الشهر المبارك وتنطلق أصوات المؤذنين من مآذن دمشق بعد أن يؤذن لها من خلال الإشارات الضوئية أو البالون من مئذنة الجامع الأموي.‏

(اللهم إني لك صمت, وبك آمنت,وعليك توكلت, وعلى رزقك أفطرت, ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله).‏

بهذا الدعاء الجميل الذي ينطوي على الوفاء والولاء وشكر النعمة يشرع الصائمون بتناول طعام إفطارهم.‏

ومن عادات شهر الصوم ان يكون افطار اليوم الأول منه عند عميد العائلة دون دعوة وافطار اليوم الثاني عند أكبر أولاده سناً وهكذا..‏

وكان معظم الناس كبارا وصغارا نساء ورجالا وأطفالا ينطلقون زرافات ووحدانا إلى المساجد لأداء صلاة التراويح وتكون ثماني أو اثنتي عشرة أو عشرين ركعة أما العلماء والمتصوفة فإنهم يقضون الشهر بكامله في الصلاة والتهجد والأذكار حتى وقت الإمساك ومنهم من يلتزم صلاة التراويح بتلاوة جزء كامل من القرآن الكريم حتى يتم الختم في الشهر كما يحيون تلك الليالي بتلاوة القرآن الكريم في المساجد والدور ومنهم من يعتكف في المساجد أيام العشر الأخير من هذا الشهر لأنه وكما ورد في التراث الديني: رمضان أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.‏

ولسهرات رمضان كما هو معروف نكهة معروف نكهة خاصة إضافة إلى روعتها وجلالها ففي هذا الشهر يجتمع الأقارب نساء ورجالا يتبادلون النكات ورواية أخبار السلف وبعض تلك السهرات يتخللها الغناء والمزاح البريء والأحاجي والحكايا ولعب البرسيس وبعضهم يذهب إلى المقهى كمقهى النوفرة وغيره حيث يتحلقون حول الحكواتي أو يشاهدون كراكوز أو مباريات السيف والترس أو يلعبون لعبة المردان وهم يرشفون الشاي ويقرقرون بالأركيلة.‏

وفي كتابه ( مجتمع مدينة دمشق) يؤكد الدكتور يوسف نعيسة أن الصفاء الروحي كان يسود بين الدماشقة فيتخلقون بآداب رمضان الروحية وينصرفون إلى الأذكار والطاعات ويتوافدون إلى المساجد والتكايا والزوايا ويتحلقون حول الأئمة والوعاظ يتفقهون في شؤون دينهم.‏

أما الاطفال فلهم في رمضان عالمهم الخاص وتقاليدهم الموروثة ولصيامهم ايضا نكهته الخاصة حيث يصرون على ايقاظهم وقت السحور ليس لمشاهدة المسحر الذي يشكل ظاهرة فلكلورية بديعة بفانوسه وطبلته وسلته التي يجمع فيها ألوان الأطعمة والتي سنأتي على تفاصيلها بل في محاولة الدخول في دائرة الكبار وممارسة الصوم وكان الاهل يقنعون اطفالهم أن صيامهم اليوم الأول واليوم الأخير من الشهر يعادل الشهر كله ويتباهى الطفل بصومه فيندد بالمفطرين من أترابه.‏

وفي مذكراته يروي لنا نجاة قصاب حسن: وقد صمت درجات المئذنة في صغري فعلا ولو أنني أذكر مرة أنني جعت فلم اصبر فأكلت بالسر قطعة كعك وشربت ماء من الحنفية حتى استطعت أن ( أضاين - أصبر) إلى المغرب وبذلك أكون ( زوغلت) ولكن أبي حملني مساء على ظهره وربما لم يكن يجهل لعبتي الصغيرة وأغضى عنها حنانا..‏

وكان الاطفال عقب الافطار وبعضهم بفترة السحور يعدون وراء المسحر وهم يرددون: يا رمضان غيرت الطبيعة/ السن زغير والرئبة رفيعة/ أبو طبلة مرتوا حبلة/ شو جابت ما جابت شي/ جابت جردون بيمشي.‏

وتجدر الاشارة إلى أن حرفة التسحير التي تنظمها مشيخة الكارات على غرار ما كان لسائر الصناعات والحرف الدمشقية كانت تنحصر في عائلات تتوارث العمل وقد فصل الاستاذ منير كيال في كتابه ( رمضان في الشام أيام زمان) الحديث ليس فيها فحسب بل في كل ما يرافقها من مأثورات وقصص.‏

 


 


للعودة لصفحة شؤون التراث

 

 

 

 

dimashkiat.com © All Rights Reserved . 2007-2008