|
|
|
«الجبهة».. وأبو خليل القباني |
أ. نصر الدين البحرة |
|
صحيفة تشرين |
13 |
9 |
2007 |
|
|
مثلما كنا نكتب في مواضيع الإنشاء، فقد «ساقتني قدماي» قبل بضع سنين، إلى
التجوال بين البساتين والبيوت الواقعة جنوبي مشفى المواساة.
فحمل إلي ذلك أكثر من مفاجأة، أولاها أنني اهتديت مصادفة إلى المنزل الذي أمضى
فيه أبو خليل القباني الشاعر والملحن والمسرحي المشهور صاحب الأغنية الذائعة
«يا طيرة طيري يا حمامة ما بين دمر والهامة» سنواته الأخيرة بعد أن عاد من
مصر إلى دمشق واستقر. والواقع أنه لم يكن هناك سوى بقايا جدران سقط على الأرض
معظمها، وبعض خشب الأبواب، وكان أمام البيت المطل على أجمل منظر كامل الخضرة
والبهاء، بئر الماء الذي كان الموسيقار العظيم الرائد يستقي منه. يا الله، إذن
أنا هنا، في أعلى هذه الأكمة التي كان أبو خليل يمضي صباحاته وأمسياته بين
جنباتها، يتأمل ويفرح ويكتب الشعر ويضع الألحان. فآه لو أنهم أعادوه كما كان،
وقد أُخبرت أن هناك بعض المخططات، تصوّره تماماً كما كان في القرن التاسع عشر.
أما مفاجأتي الثانية، فهي أن هذا المكان هو «الجبهة» التي تحدث عنها عبد الله
البدري الذي زار دمشق في القرن الهجري التاسع، وكتب عنها في «نزهة الأنام في
محاسن الشام» بلى، أئذا كانت الجبهة أي الجبين هي أعلى جزء في جسد الإنسان،
فلماذا لا يدعى هذا الموضع العالي بين الربوة والنيرب أو النيربين إذا شئت
الجبهة؟ يقول البدري: «ومن محاسن الشام المتنزه المسمى الجبهة وهي أرض مربعة
قدر فدانين الفدان يساوي 330 قصبة، وهذه تساوي 24 متراً، أي إنه: 7920
متراً!! عليها سقائف تظلها من غير طين بين شجر الصفصاف والجوز والحور، وكل
مفرش حصير، تحيط به جداول الماء من أربع جهاته مع البرك والبحرات بالنوافر، وهي
على جنب نهر بردى وبه النواعير، وبها حوانيت للشرايحية والجزارين والطباخين..
الخ. وبها مسجد ومدرستان ومربط للدواب ومقاصفية خدم المقصف واقفون في خدمة
الناس، وعندهم اللحف والأنطاع ج نطع وهو الوعاء والعبي ج عباءة لمن
يبات.
ويورد البدري شعراً في وصف الجبهة لابن حجة الحموي، ولعلي بن سعيد صاحب كتاب
«المرقص والمطرب» وقد رآها عند شمس الأصيل قبيل المغرب يقول فيه:
إن «للجبهة» في قلبي هوى لم يكن عندي للوجه الجميل
يرقص الماء بها من طرب ويميل الغصن في الظل الظليل
وقود الشمس لو باتت بها فلذا تصفرّ في وقت الأصيل
وللحديث صلة.

للعودة لصفحة
شؤون التراث
|