|
|
|
دمشق مطعم كبير |
ظافر أحمد |
|
صحيفة تشرين |
22 |
9 |
2007 |
|
|
دمشق التي ورد اسمها في ألواح فرعون مصر تحتموس الثالث ـ بلفظ (تيماسك)-
وتفوّقت على مدن التاريخ بأنّها المدينة الأقدم المأهولة، حملت أهميتها
التاريخية عبر حيويتها وبقائها مأهولة في شتّى العصور وحقب التاريخ، ولكن دمشق
القديمة كيف حالها اليوم؟!.
قد ينقص مشهد أحد آثارها "السّور مثلاً" المغطّى "بالسخام" وهباب الفحم جملة
"ممنوع اللمس حفاظاً على نظافتك"؟! أهكذا تكون "خاتمة" آثارنا أمانة الأجيال
بتركها للتلوّث؟
ولماذا استوطنت السيارات وبعض المهن والأنشطة التجارية والصناعية دمشق
القديمة؟! ولماذا أصبحت من كثرة المطاعم مطعماً كبيراً؟! ولماذا نسب الملوثات
فيها تتفوّق على نسب الملوّثات حتّى مقارنة مع مواقع مدينة "دمشق الجديدة"
المتوسّعة..؟!
...الاستراتيجية الوطنية للبيئة ومنذ2003 قالت"..تُظهر الزيارات التي قام بها
الخبراء إلى المواقع الأثرية منها دمشق القديمة تدهور المواقع الأثرية..وتضرر
الأبنية الأثرية في دمشق بسبب تلوّث الهواء ما يسرع من قدمها...".
اليوم أصبحت دمشق تستقطب مليوني سائح (إحصاءات 2006)وفق مدير السياحة، ونسبة
كبيرة من السياح يكون مقصدهم دمشق القديمة، بآثارها الدينية وغير ذلك..، فهل
النشاطات التجارية والصناعية الموجودة فيها ونسب التلوّث كرم ضيافة للسّائح،
وعوامل مشجعة على السياحة؟!
الآثار في خطر؟
زوّدتنا الهيئة العامة لشؤون البيئة بمعلومات عن التلوّث في دمشق وفق قياسات ـ
عابرة ـ قام بها مركز الدراسات البيئية، ونختار منها ما يخصّ ساحة باب توما
كونه الموقع الأكثر قرباًَ من دمشق القديمة ضمن المواقع المدروسة، وبيّنت أنّ
التلوّث بالعوالق الكلية بلغ 325(ug/m3) بما يتجاوز ضعفي المسموح به، وجرى
القياس في شهري آب وأيلول عام 2005..
ولكن توجد قياسات سابقة أوردتها خطة العمل البيئية تعتبر أنّ "تركيز العوالق
الكلية بلغ1290ميكروغرام/م3 في دمشق القديمة، بما يتجاوز عشرة أضعاف المسموح به
من منظمة الصحة العالمية (120ميكروغرام/م3)..
د.محمّد العودات، باحث من هيئة الطاقة الذرية، والذي سبق أن أنجز بحثاً عن جودة
الهواء في سوريا، وضّح أنّ قياسات وزارة البيئة 1999سجّلت تراكيز مرتفعة
للعوالق الكلية في مدينة دمشق القديمة، وتراوحت بين 870 و 1230 ميكروغرام/م3 في
شارع مدحت باشا، وبين 700 و 1100 ميكروغرام/م3 في تقاطع القشلة، وبلغت نحو 200
ميكروغرام/م3 في ساحة الجامع الأموي..
ويشرح د.العودات تأثير تلوّث الهواء الذي في جانب منه يؤثّر على الأوابد
الأثرية، إذ تتفاعل أكاسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين مع الأكسجين بوجود بخار
الماء والأشعة فوق البنفسجية، وتتحول هذه الأكاسيد في النهاية، إلى حمض الكبريت
وحمض الآزوت التي تبقى معلقة في الهواء على هيئة رذاذ دقيق تنقله الرياح من
مكان لآخر، وتتفاعل هذه الأحماض مع كربونات الكالسيوم، المكون الأساسي لحجارة
معظم هذه الأوابد، وتحولها إلى الجص، ومعروف أن للجص متانة قليلة ميكانيكياً،
ما يؤدي إلى سهولة تفتته، وخسارة ثروة وطنية إنسانية لا تقدر بثمن، هذا إضافة
إلى الغبار، الذي يؤدي إلى حت وتخريب مكونات الأوابد الأثرية، وكذلك هباب الفحم
الذي يوشحها بالسواد، خاصة أن قسماً كبيراً من هذه الأوابد يكثر في المناطق
المزدحمة والمكتظة بوسائط النقل كباب توما وباب شرقي في دمشق مثلاً.
وتشير معطيات وزارة البيئة لعام 1998 أن تراكيز أكاسيد الكبريت تصل في بعض
شوارع دمشق القديمة، كشارع مدحت باشا وتقاطع القشلة، إلى 0.13 جزء من المليون،
وبخاصة في ساعات الظهيرة (من الساعة 11 إلى الساعة 15)، كما تصل تراكيز أول
أكسيد الكربون، وهو من الغازات شديدة السمية، إلى 30 جزءاً في المليون، وهو
أعلى بكثير من الحدود المسموح بها(9 أجزاء في المليون..)
إساءات بالجملة..؟
وزارة الإدارة المحلية والبيئة في نصّ الاستراتيجية الوطنية للبيئة التي
تعتمدها منذ2003 تشير إلى أنّ سورية تملك أربعة مواقع أُدرجت في قائمة التراث
العالمي (مدينة دمشق القديمة، ومدينة بصرى القديمة، وتدمر، وحلب القديمة) و"أنّ
هناك تراجعاً خطيراً لهذه المواقع، ناجم عن عدم الوعي بالقيمة المتميزة لها
وسوء استثمارها والتغيرات في استعمالات الأراضي المحيطة بها، وإدخال مواد
وأساليب بناء غير ملائمة في أعمال البناء المرخص والمخالف في هذه المواقع"...
د.غزوان ياغي، مدير المباني، في المديرية العامة للآثار والمتاحف، قال: يوجد
أثر سلبي شديد على دمشق القديمة نتيجة عوادم السيارات، والتلوث البيئي الناتج
عن بعض التسربات في الصرف الصحي إذ يؤثّر على الأساسات..
المهندس أمجد الرز، مدير مكتب عنبر"مديرية دمشق القديمة"، قال: تتمثّل المعاناة
الرئيسية لدمشق القديمة بـ(الازدحام المروري)، ثمّ النشاطات الصناعية والمهن
الموجودة فيها، ثمّ البنية التحتية السيئة..
استثمار للأكل والمعسّل؟!
عشرات البيوت الصغيرة والكبيرة تحولت في دمشق القديمة إلى فنادق ومطاعم ومقاه
وحانات..، والبعض يفضّل المقاهي والمطاعم لأنها تجذب السيّاح والعملات الصعبة
بدلالة نجاح التجربة اقتصادياً عبر كثافة روّاد تلك المطاعم..
يعتبر د.ياغي أنّ سلبيات ظاهرة المطاعم ضمن دمشق القديمة تتمثّل في التأثير على
نسيج دمشق، وتأثيرات أخرى لمنصرفاتها وبخار الطبخ ودخانها..
المهندس فيصل نجاتي، مدير سياحة دمشق قال:كلّما تمّ تشييد مطعم جديد في دمشق
القديمة يعني (تهجير السكّان) المقيمين سابقاً في تلك البيوت التي تحوّلت إلى
مطاعم, لذلك كثرة المطاعم تؤثّر على مكونات المدينة القديمة..
آخرون ينبّهون إلى الضغط الهائل نتيجة تلك المنشآت على شبكة الصرف الصحي التي
ازداد وضعها سوءاً بفعل ما ترميه تلك المطاعم والملاهي من فضلات الخضار
والفواكه واللحوم والزيوت وغيرها..
ولكن نسأل: هل نجاح هذه المطاعم وغيرها مادياً يعني نجاحها على الصعيد
التراثي!. د.ياغي قال: الاستثمار الحالي في دمشق القديمة جائر، ولا يأخذ
بالحسبان حساسية المنطقة، ولايفكّر إلاّ بالعوائد، لذلك تمّ إيقاف ترخيص
المطاعم..
سلّة استثمارات وتصوّرات؟
المهندس فيصل نجاتي، مدير سياحة دمشق، أوضح أنّ مبدأ بقاء الأثر بجودته
ونوعيته، مرتبط بالسياحة، والبعد الاقتصادي، ولدمشق القديمة أهمية سياحية
كبيرة، ومن ضمن الأماكن المطروحة للاستثمار فيها :(قلعة دمشق ـ الساحة، وقصر
العظم عبر عروض صوت وضوء وتجسيد الحياة القديمة وعروض فنية)..
يرى د.ياغي أنّه وفق التجارب التي مرّت بها المدن الأثرية في العالم، فإنّه
لابدّ من إجراءات تقلل من حركة الآليات في دمشق القديمة واستبدالها بآليات
صديقة للبيئة، أو جعلها للمشاة فقط، وذكر بأنّ توجهات الخطة القديمة الخاصة
بالاستثمار في دمشق القديمة كانت تحويل البيوت القديمة إلى مطاعم واستراحات
ومقاه..، ولكن تمّ لحظ سلبيات ذلك، لذلك فالأمور المطروحة البديلة هي استثمار
ثقافي، وتوجد خطّة لنقل بعض المهن والصناعات ذات الأثر السلبي إلى خارج المدينة
القديمة..
وأفاد بأنّه لا تتوفّر خطة متكاملة لترميم الآثار، ويحتاج ذلك إلى إمكانات
واستعدادات كبيرة وباهظة، وأمّا عملية تنظيف الآثار وغسلها فهي عملية دقيقة،
ولا تتمّ كما في حال غسل أو تنظيف المنازل وغيرها، إذ نؤمن بأنّ الأثر يتنفّس
عبر حجارته ولا يمكن إخضاعه لإجراءات إلاّ علمية ودقيقة كي لا يتمّ الإساءة إلى
مواصفاته..
السيّد نظير عوض، مدير آثار دمشق القديمة، قال: تمّ وضع الخطوط الأولى للمصوّر
التوجيهي الذي يشمل شتّى شؤون دمشق القديمة (الخدمات، السياحة، السكن).. بما
يضمن عملية تنظيم للاستثمار ومنعكسات إيجابية على دمشق القديمة وليس العكس،
وتوجد ضمن المصوّر التوجيهي مشاريع لإبقاء كلّ الأنشطة الصديقة لدمشق القديمة
ضمنها، وترحيل المهن والفعاليات التي تضرّ بها..
مدير مكتب عنبر (طالب بإخراج السيارات من دمشق القديمة والمنشآت الصناعية
والمهن التي لا تناسبها)..، وأفاد بأنّه تمّت المباشرة في معالجة البنية
التحتية السيئة في المدينة.
بالانتظار؟
اعتبرت الاستراتيجية وخطة العمل البيئية 2003 أنّ مشكلة فقدان التراث الحضاري
"تأتي كسادس مشكلة ضمن المشاكل ذات الأولوية البيئية، وتتطلّب إعادة ترميم
الأبنية التاريخية والأثرية، وأنّ بين الأعمال المقترحة على المدى القصير
والمتوسط بخصوص التنمية المستدامة للموارد التراثية، سياسات لمنع استمرار تدهور
المناطق الأثرية، وتتمثل تلك السياسات بالمحافظة على التراث الحضاري الوطني
بالاستثمار المتوازن للموارد الثقافية والتراثية والاجتماعية، ومنح الحوافز
لإجراء الترميم وحماية البنية الأثرية من قبل الناس المستخدمين لها"؟
ولكن بعد أربع سنوات من صياغة تلك الاستراتيجية لم لمس شيئاً على أرض الواقع،
بل كلّ ما يحدث لدمشق القديمة يشكّل عوامل طاردة للسكان ومسيئة لنسيجها
المعماري..؟!
ونختم بكلام لـ(مدير المباني) في مديرية الآثار والمتاحف، إذ يقول: التراث
أمانة في أعناق الأجيال، والاستثمار الحالي يخلّ بشروط الأمانة، والآثار تشكّل
رأسمالاً كبيراً لو أحسن توظيفه، وهو ثروة للأجيال، وحماية دمشق القديمة تحتاج
إلى تنسيق كلّ الجهات المعنية، بما يخدم حماية أفضل للآثار، وتوظيف استثمار أدق
لها..
مهما يكن فدمشق القديمة بالانتظار..
إضــــــــاءات وأسئلة؟
- ستحتفل دمشق في عام 2008 بوصفها عاصمة للثقافة
العربية، فهل يمكن تنظيف دمشق القديمة أو واجهات بعض الآثار المهمة، وتحجيم
الملوثات البصرية على الأقل قبيل العام2008؟!
- الدّائرة المعنية بدمشق القديمة لدى المديرية
العامة للآثار والمتاحف تحتاج فقط إلى أضعاف الكوادر التي تعمل بها؟!
- خلافات عديدة بين الإدارات المسؤولة والمعنية
والمهتمين تجاه ملفات المدينة القديمة المتمثلة بعدم مسايرة العصرنة، وتبدل
كثير من وظائفها وتحويل البيوت إلى ورشات عمل ومستودعات ومصانع وتغيير في
البيئة الاجتماعية وغزو السيارات لها، والخرابات الموجودة فيها نتيجة
الاستملاكات التي لم تنفذ، وقلة الاهتمام وعدم تلبية الاحتياجات المتزايدة من
الطاقة والمياه، ..تجاه كلّ ذلك متى الحسم لصالح دمشق القديمة؟.
- مهما كانت مباني مجلس الوزراء والوزارت وغيرها من
المقرّات العامة والخاصة نظيفة أو برّاقة أو غير ذلك، فلن تتكفّل بجلب سائح
واحد إلى البلد، ..الذي يجلب السياحة قلعة دمشق مثلاً وآثار دمشق التي يجب أن
تكون على الأقل نظيفة، فهل من مجيب؟.

للعودة لصفحة
شؤون التراث
|