|
|
|
عن الغوطة الشمالية |
أ. نصر الدين البحرة |
|
صحيفة تشرين |
27 |
9 |
2007 |
|
|
كان لي أصدقاء في حي ركن الدين الأكراد وكنت أزورهم في بعض ليالي الصيف عام
1957، وكان الشارع العريض المعروف حالياً قد شق وافتتح قبل حوالي سنتين.
لكن البساتين الكثيفة القائمة خلفه، وقد اختفت جميعاً وحلّت محلها أبنية
إسمنتية كثيرة شاهقة ومتلاصقة، هي المجال الوحيد لعودتي إلى بيتي في القيمرية
وكنا قد انتقلنا وقتها إلى هنا من مئذنة الشحم فالباصات تكف عن الحركة حوالي
الساعة الحادية عشرة ليلاً، وموضة التكسيات والسرفيسات لم تكن قد درجت في ذلك
الحين. وهكذا فقد كنت أشق طريقي في الظلام في ذلك الهزيع من الليل، وسط أدغال
من الأشجار المتعانقة، وبين جداول مسحوبة من نهري يزيد وثورى. وفي بعض الأحيان
كان يقشعرّ بدني للأوهام والرؤى التي تتخايل لي وأنا أحث الخطا، بين ذلك البحر
من الشجر.
لعل هذا هو الذي جعلني لا أفاجأ إذ قرأت بعد ذلك ما كتبه أبو البقاء البدري في
«نزهة الأنام في محاسن الشام» عن بعض المتنزهات والبساتين الواقعة في تلك
البقعة جنوبي ركن الدين أي شمالي دمشق مثل أرض «الميطور» و«السيلوق» ويقال
إن أول من غرس بهما غراساً سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي وكان يروي
عن النبي (ص) حديثاً يقول: «من غرس غرساً كتب الله له من الأجر بقدر ما يخرج من
ثمار ذلك الغرس». وينقل البدري عن ابن عساكر أن عبد الله بن الحارث قال:
«أخبرنا أن سليمان بن عبد الملك أمر قيّم بستانه أن يحبس على الفواكه، لا يجني
منها شيئاً. وأمرني بالركوب معه عند طلوع القمر من آخر الليل، ومن حضر من
أصحابه، فلما دخلنا إلى البستان انفرد كل منا يأكل حتى ارتفع النهار، ثم صرنا
إليه وقد أكلنا قدر الطاقة، ونحن نقول: هذا القطف العنب استوى فيخرطه في فيه،
وهذه التفاحة نضجت، وهذه الإنجاصة ناضجة، وكلما رأينا نضيجاً نشير إليه
فيتناوله ويأكله حتى آن الضحى... إلخ» وهناك سوى هذين المتنزهين في هذه
الناحية: سطرا ومقرى واليلك، يقول جلال الدين بن خطيب داريا في سطرا ومقرى:
خليليَّ إن وافيتما الشام بكرة وعاينتما «الشقراء» والغوطة الخضرا
قفا واقرأا عني كتاباً كتبته بدمعي لكم «مقرى» ولا تنسيا «سطرا»
ويذكر البدري أن «اليلك» بين هذين المتنزهين وفيه «يجتمع الناس أيام زهر
السفرجل، ويسيحون الماء تحت أشجاره، ويوقدون في ظلمة الشهر قشور البيض
ويطلقونها في الماء ويعلقون قشور النارنج موقدة في الأشجار ويضربون الخيام في
بستان الحاجب. وهناك شعر كثير قيل في اليلك منه:
قد أتينا نبغي زيارك «يلك» قد حبانا بالجود والإكرام
ناولتنا أيدي الغصون ثماراً أخرجتها لنا من الأكمام
وللحديث صلة.

للعودة لصفحة
شؤون التراث
|